تجاوز إلى المحتوى
مسيحيو الشرق
English

من هو المسيح

المسيح: ما يشهد له التاريخ، وما تؤمن به الكنيسة

ما تقوله المصادر القديمة عن يسوع الناصريّ، وما تقرأه الكنيسة في نبوءات العهد القديم، ولماذا جاء ومات على الصليب — وكيف يرتبط ذلك بالفصح وبالهيكل.

هذه الصفحة تجمع نوعين من الكلام، وتفصل بينهما بوضوح: ما يقبله المؤرّخون على أي دين كانوا أو بلا دين، وما تعترف به الكنيسة إيمانًا. والحدّ بينهما مذكور صريحًا لا مطمورًا.

مراجع عامة للاستزادة، وليست إحالات إلى صفحات بعينها.

شهادات قديمة من خارج الكنيسة

نصوص لم يكتبها مسيحيون، وبعض كاتبيها معادٍ للمسيحية صراحةً، وفيها مع ذلك ذكرٌ للمسيح أو لجماعته.

تاسيتوس، مؤرّخ روماني

نحو 116 م

ما يشهد له

يروي حرق روما سنة 64 واتهام نيرون للمسيحيين، ويقول إنّ اسمهم من «كريستوس» الذي «أُعدم في عهد طيباريوس على يد الوالي بيلاطس البنطي». وهذه شهادة رومانية غير مسيحية على الإعدام نفسه، من مؤرّخ لا يخفي احتقاره لهذه «الخرافة».

وما يجب التحفّظ فيه

ويسمّي تاسيتوس بيلاطسَ «بروكوراتور»، وهذا لقب متأخّر: فحجر بيلاطس المكتشف في قيصرية سنة 1961 يسمّيه «برايفكتوس» أي والي المقاطعة. والأرجح أنّ تاسيتوس استعمل المصطلح الشائع في زمنه هو، لا أنّ النصّ مدخول.

يوسيفوس، مؤرّخ يهودي

نحو 93–94 م

ما يشهد له

يذكر يسوع مرّتين: في الكتاب العشرين يسمّي «يعقوب أخا يسوع الذي يُقال له المسيح» عند الكلام على إعدامه سنة 62، وفي الكتاب الثامن عشر مقطع أطول عن يسوع نفسه.

وما يجب التحفّظ فيه

والمقطع الأطول (18:63–64) متّفق على أنّ نسّاخًا مسيحيين زادوا فيه عبارات، والخلاف بين الباحثين في مقداره؛ أمّا ذكر يعقوب في الكتاب العشرين فيُعدّ في الأكثر أصليًا.

بلينيوس الأصغر، والٍ روماني

نحو 112 م

ما يشهد له

يكتب إلى الإمبراطور تراجان يسأله كيف يعامل المسيحيين في بيثينية، ويصف اجتماعهم قبل الفجر و«ترتيلهم للمسيح كما لإله». وهذه شهادة إداريّة على وجود جماعات تعبد المسيح في آسيا الصغرى في هذا التاريخ المبكر.

مارا بار سرابيون، كاتب سرياني

بين القرن الأول والثالث

ما يشهد له

رسالة سريانية من أسير إلى ابنه، يذكر فيها «الملك الحكيم» الذي أعدمه اليهود وأنّ مملكته لم تزل قائمة. وهي شهادة من داخل العالم السرياني نفسه الذي يتناوله هذا الموقع، وإن كان تأريخها غير محسوم.

وما يجب التحفّظ فيه

لا يسمّي يسوع صراحةً، وتأريخ الرسالة موضع خلاف واسع، فهي شهادة مساندة لا حجّة قائمة بنفسها.

سوتونيوس، كاتب روماني

نحو 121 م

ما يشهد له

يذكر طرد كلوديوس لليهود من روما بسبب اضطرابات أثارها «خريستوس»، ويذكر عقاب نيرون للمسيحيين. وشهادته على وجود الحركة أوضح من شهادته على شخص يسوع.

ما يقبله المؤرّخون

هذه أمور لا يخالف فيها الباحثون في هذه الفترة، ومنهم غير المتديّنين.

  • أنّ يسوع الناصريّ شخص تاريخي حقيقي، يهوديّ من الجليل، عاش في النصف الأول من القرن الأول. وهذا ممّا لا يخالف فيه إلا قلّة شديدة خارج الأوساط الأكاديمية.

  • أنّه اعتمد على يد يوحنا المعمدان، وعلّم في الجليل، وجمع تلاميذ.

  • أنّه صُلب في القدس في عهد الحاكم الروماني بيلاطس البنطي، نحو سنة 30–33. والصلب عقوبة رومانية لا يهودية، وهذا يوافق ما تقوله المصادر غير المسيحية.

  • أنّ أخاه يعقوب قاد الجماعة في القدس، وأنّ يوسيفوس اليهودي يسمّيه.

  • أنّ أتباعه كانوا في غضون نحو عشرين سنة من موته يعلنون قيامته بصيغة محفوظة يقتبسها بولس في رسالته الأولى إلى كورنثوس (15:3–8) ويقول إنّه تسلّمها ممّن قبله — أي أنّ الإعلان أقدم من أقدم نصّ يذكره.

  • أنّ الصلب كان في الثقافة الرومانية عارًا مطلقًا يُنزل بالعبيد والثوّار، فدعوة تقوم على مصلوب هي آخر ما يُتوقّع أن يُختلق للترويج.

وحيث يتوقّف التاريخ ويبدأ الإيمان

الصلب واقعة تاريخية يشهد لها غير المسيحيين. أمّا القبر الفارغ والقيامة فليسا من هذا الباب: لا يستطيع المؤرّخ أن يُثبت قيامةً، ومن يقول لك إنّ القيامة «مثبتة تاريخيًا» كما يُثبت الإعدام فهو يخلط بين أمرين. ما يبلغه البحث التاريخي هو هذا:

  • أنّ الإعلان بالقيامة مبكّر جدًا، وأنّه ليس تطوّرًا متأخّرًا نشأ بعد أجيال.
  • أنّ الذين أعلنوه احتملوا عليه الأذى والموت، وهذا يدلّ على صدق اقتناعهم، لا على صحّة ما اقتنعوا به — والفرق بين الأمرين جوهري.
  • أنّ الحركة نشأت في المدينة نفسها التي فيها القبر، وفي غضون أسابيع أو شهور، لا في مكان بعيد بعد زمن طويل.
  • أنّ الروايات الأولى تُسند الشهادة إلى نساء. ويُقال عادةً إنّ شهادة النساء كانت غير مقبولة، وهذا مبالغ فيه: فالصورة القانونية في ذلك الزمان أقلّ اتّساقًا مما يُصوَّر، وأكثر ما يُستشهد به في ذلك متأخّر عن الحدث. لكنّ اختيار النساء شاهداتٍ أوّلَ يبقى غير الاختيار المتوقَّع لمن يصنع دعوى ليقنع بها.
  • وأمّا القبر: هل كان فارغًا؟ ولماذا؟ فهذا ما تعترف به الكنيسة إيمانًا ولا يُقيمه التاريخ برهانًا. وهذه الصفحة تقول ما تؤمن به الكنيسة، وتقول أيضًا حدّ ما يمكن إثباته.

نبوءات العهد القديم

هذه قراءة الكنيسة للأسفار العبرية. والتقليد اليهودي يقرأ بعض هذه النصوص قراءة أخرى، وهو مذكور عند كل نصّ يقتضي ذلك.

ميخا 5:2 · Micah 5:2

«وأنتِ يا بيت لحم أفراتة… منكِ يخرج لي الذي يكون متسلّطًا على إسرائيل»

قراءة الكنيسة

تقرأ الكنيسة فيها موضع الميلاد، وهو ما تذكره الأناجيل في بيت لحم لا في الناصرة التي نشأ فيها.

في العهد الجديد: متى 2:1–6 · Matthew 2:1–6

إشعياء 7:14 · Isaiah 7:14

«هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل»

قراءة الكنيسة

تقرأها الكنيسة في الميلاد من مريم العذراء، ومعنى «عمانوئيل» أي «الله معنا».

في العهد الجديد: متى 1:22–23 · Matthew 1:22–23

ملاحظة

والعبرية هنا «عَلْمَة» أي الشابة، وترجمتها السبعينية اليونانية «بارثينوس» أي العذراء، وهي الترجمة التي كان كتّاب العهد الجديد يقرأون بها. والتقليد اليهودي يقرأ الآية في سياقها التاريخي في زمن إشعياء.

إشعياء 53 · Isaiah 53

«مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا… وبجلدته شُفينا»

قراءة الكنيسة

هذا أوسع نصّ تقرأ فيه الكنيسة سرّ الصليب: بريء يحمل عن غيره، ويُحسب مع الأثمة، ويُدفن مع الأغنياء، ولا يفتح فاه. وهو الفصل الذي كان الخصيّ الحبشي يقرأه في أعمال الرسل حين شرحه له فيلبس.

في العهد الجديد: أعمال 8:26–35، 1 بطرس 2:24 · Acts 8:26–35, 1 Peter 2:24

ملاحظة

والتقليد اليهودي يقرأ «العبد المتألّم» في الأكثر على إسرائيل نفسها جماعةً، لا على شخص آتٍ. والقراءتان قديمتان كلتاهما.

مزمور 22 · Psalm 22

«إلهي إلهي، لماذا تركتني؟… ثقبوا يديّ ورجليّ… يقتسمون ثيابي بينهم»

قراءة الكنيسة

الكلمة التي نطق بها المسيح على الصليب هي مطلع هذا المزمور، وتفاصيله — الثياب المقتسمة، والأيدي المثقوبة — تقرأها الكنيسة في ساعة الصلب.

في العهد الجديد: متى 27:46، يوحنا 19:23–24 · Matthew 27:46, John 19:23–24

ملاحظة

والنصّ العبري المازوري في هذا الموضع يقرأ «كَأَرِي» أي «كالأسد»، أمّا «ثقبوا» فتتبع قراءة أخرى تحملها الترجمة السبعينية والنسخ القديمة. وهذا من مواضع الخلاف النصّي المعروفة، ويُذكر هنا لأنّ الاستدلال بالآية يتوقّف على أيّ القراءتين تُؤخذ.

زكريا 9:9 · Zechariah 9:9

«هوذا ملكك يأتي إليك… وديعًا وراكبًا على أتان»

قراءة الكنيسة

تقرأها الكنيسة في دخول أحد الشعانين: ملك يدخل مدينته لا على فرس حرب بل على أتان.

في العهد الجديد: متى 21:1–11 · Matthew 21:1–11

زكريا 12:10 · Zechariah 12:10

«وينظرون إليّ، إلى الذي طعنوه»

قراءة الكنيسة

يقتبسها يوحنا عند طعن الجنب بالحربة على الصليب.

في العهد الجديد: يوحنا 19:37 · John 19:37

مزمور 16:10 · Psalm 16:10

«لن تدع قدّوسك يرى فسادًا»

قراءة الكنيسة

يقرأها بطرس في عيد العنصرة على القيامة: أنّ الجسد لم يبقَ في القبر حتى يبلى.

في العهد الجديد: أعمال 2:25–32 · Acts 2:25–32

خروج 12:46، مزمور 34:20 · Exodus 12:46, Psalm 34:20

«وعظمًا لا تكسروا منه» — في وصية الفصح

قراءة الكنيسة

هذه وصية في شأن خروف الفصح، ويقتبسها يوحنا صراحةً عند الصليب حين لم يُكسر ساقا المسيح. وهي الحلقة التي تربط الصليب بالفصح ربطًا مباشرًا.

في العهد الجديد: يوحنا 19:33–36 · John 19:33–36

لماذا جاء، ولماذا مات

من هنا إلى آخر الصفحة الكلام تعليمٌ للإيمان بلسان الكنيسة، لا وصفٌ تاريخي.

لماذا جاء

تقول الكنيسة إنّ الإنسان انفصل عن الله، لا بذنبٍ قانوني فحسب، بل بجرحٍ أصاب طبيعته: صار الموت مصيره والفساد نصيبه. ولم يكن الشفاء ممكنًا من خارج، فما لم يتّخذه الله لم يشفِه.

فجاء ابن الله وأخذ طبيعتنا كاملة، ودخل حياتنا كلّها حتى الموت، ليعبر بها من الداخل. ولهذا يقول آباء الشرق إنّ الخلاص ليس براءة في محكمة بل شفاءٌ لطبيعةٍ مريضة، وشراكةٌ في حياة الله.

الصليب والفصح

لم يمت المسيح في أيّ وقت من السنة، بل في الفصح. وهذا ليس تفصيلًا في التوقيت بل هو المعنى.

ففي سفر الخروج يُذبح خروف لكلّ بيت، ويُرشّ دمه على القائمتين، فيعبر الموت عن البيت. ومن هنا اسم العيد: «فصح» أي عبور. وهو عيد تحرير: بالدم عبر الموت، وبالعبور خرج الشعب من العبودية.

والعهد الجديد يقرأ الصليب في هذا الإطار بالضبط. يقول يوحنا المعمدان: «هذا هو حمل الله». ويقول بولس: «لأنّ فصحنا أيضًا المسيح قد ذُبح من أجلنا». ويضع يوحنا الصلب في الساعة التي تُذبح فيها خراف الفصح في الهيكل، ويقتبس وصية الفصح نفسها: «وعظمًا لا تكسروا منه».

فالمعنى واحد: الدم الذي يعبر به الموت، والعبور من العبودية إلى الحرية — ومن الموت إلى الحياة.

ملاحظة

ويجدر التنبيه إلى أنّ الأناجيل لا تتّفق في التوقيت: فيوحنا يجعل الصلب في يوم الإعداد، قبل عشاء الفصح، والأناجيل الثلاثة الأخرى تجعل العشاء الأخير هو عشاء الفصح نفسه. والمسألة قديمة مطروحة، وقُدّمت لها تفسيرات عدّة. والربط بخروف الفصح كما هو أعلاه قائم على تسلسل يوحنا.

الهيكل والذبيحة

كانت الذبيحة في الهيكل متكرّرة بطبيعتها: كلّ يوم، وكلّ سنة، يدخل رئيس الكهنة قدس الأقداس مرّة واحدة في السنة بدم ليس دمه.

وعلى هذا يقوم كلّ برهان الرسالة إلى العبرانيين: أنّ ما يتكرّر لم يُكمَّل بعد، وأنّ المسيح دخل «مرّة واحدة» بدمه هو، فهو الكاهن والذبيحة معًا. ولهذا لا تُعاد ذبيحته: الإفخارستيا في التقليد الشرقي ليست ذبيحة جديدة بل حضور الذبيحة الواحدة.

وتذكر الأناجيل أنّ حجاب الهيكل انشقّ من فوق إلى أسفل في ساعة الموت. والكنيسة تقرأ في هذا أنّ الطريق إلى قدس الأقداس لم يبقَ محجوبًا ولا محصورًا بكاهن ويوم.

سنة سبعين وما بعدها

سنة 70 م هدم الرومان الهيكل، فتوقّف نظام الذبائح ولم يُستأنف إلى اليوم. وتأريخ الرسالة إلى العبرانيين موضع خلاف — ويرى كثيرون أنّها كُتبت قبل سنة 70، لأنّها تتكلّم على الذبائح كأنّها قائمة — ويقرأ التقليد المسيحي في هذا التقارب أنّ ما كان الهيكل يرمز إليه قد بلغ تمامه في المسيح، فلم يبقَ للرمز عمل.

ولماذا لا يكفي الصليب وحده

لو انتهى الأمر بالموت لكان الصليب خبرًا حزينًا لا بشارة. والكنيسة لا تكرز بموت فحسب بل بموتٍ هُزم فيه الموت.

ولهذا كان الفصح المسيحي — عيد القيامة — أعظم أعياد السنة في كنائس الشرق كلّها، لا الجمعة العظيمة. وترتيل الشرق في ليلة القيامة لا يقول «قد غُفر لنا» بل «المسيح قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت».

المراجع

مصادر أولية

  • Tacitus. Annals, book 15.44, c. 116
  • Flavius Josephus. Antiquities of the Jews, 18.63–64 and 20.200, c. 93–94
  • Pliny the Younger. Letters, 10.96 (to the Emperor Trajan), c. 112
  • Mara bar Serapion. Letter to his son (Syriac), 1st–3rd century
  • Suetonius. Lives of the Caesars (Claudius 25, Nero 16), c. 121
  • The Nicene-Constantinopolitan Creed, 325, completed 381
  • Cyril of Jerusalem. Catechetical Lectures, c. 350

مراجع ودراسات

  • E. P. Sanders. The Historical Figure of Jesus. Penguin, 1993
  • Bart D. Ehrman. Did Jesus Exist? The Historical Argument for Jesus of Nazareth. HarperOne, 2012
  • John P. Meier. A Marginal Jew: Rethinking the Historical Jesus. Doubleday, 1991
  • Géza Vermes. Jesus the Jew: A Historian's Reading of the Gospels. Collins, 1973
  • Henry Chadwick. The Early Church. Penguin, 1967
  • Sebastian P. Brock. An Introduction to Syriac Studies. Gorgias Press, 2006
  • Vladimir Lossky. The Mystical Theology of the Eastern Church, 1944
  • Timothy (Kallistos) Ware. The Orthodox Church. Penguin, 1963
  • J. N. D. Kelly. Early Christian Doctrines. A. & C. Black, 1958
  • Robert Louis Wilken. The First Thousand Years: A Global History of Christianity. Yale University Press, 2012
  • N. T. Wright. The Resurrection of the Son of God. SPCK, 2003