المخطوطة السينائية: أقدم عهد جديد كامل
مخطوطة يونانية للكتاب المقدس من منتصف القرن الرابع، كُتبت في أربعة أعمدة على الرقّ، وفيها أقدم نسخة كاملة للعهد الجديد. خرجت من دير سانت كاترين في سيناء وتوزّعت اليوم على أربع مؤسسات.
آخر تحديث:
في دير سانت كاترين، في قلب سيناء، حُفظت قرونًا مخطوطة يصفها القائمون عليها اليوم بأنها «أقدم كتاب ضخم بقي من العصور القديمة». هي المخطوطة السينائية: نسخة يونانية للكتاب المقدس من منتصف القرن الرابع، وفيها أقدم نسخة كاملة للعهد الجديد.
ما تحتويه
نصّها يوناني بالكامل: العهد القديم بحسب الترجمة السبعينية التي اعتمدها المسيحيون الناطقون باليونانية، والعهد الجديد باليونانية الدارجة (الكوينيه) التي كُتب بها أصلًا.
لكن الأهم أن المخطوطة تضمّ كتابين لا يردان في الكتاب المقدس اليوم:
- رسالة برنابا
- راعي هرماس
وهذا وحده يقول شيئًا عن زمنها: كُتبت قبل أن تستقرّ قائمة الأسفار القانونية استقرارًا نهائيًا، فهي شاهد على لحظة كان فيها حدّ «الكتاب المقدس» أوسع مما صار عليه.
كيف صُنعت
كُتبت على الرقّ، وفي أربعة أعمدة في الصفحة — وهو شكل نادر جدًا؛ يقول مشروع المخطوطة إن «قليلًا جدًا من المخطوطات الباقية كُتب بأربعة أعمدة في الصفحة».
ونسخها أكثر من ناسخ واحد. كان تيشندورف في القرن التاسع عشر يعدّهم أربعة، ثم استقرّ البحث على ثلاثة، مع احتمال رابع. ويُعرَف كل ناسخ بأمرين: خطّه المميّز، و«طريقته المميّزة في كتابة كثير من الأصوات، وخاصة حروف العلّة التي كان النسّاخ يكتبونها كما تُسمع». أي أن أخطاءهم الإملائية هي ما يفرّق بينهم.
لماذا تهمّ
للمخطوطة قيمتان مختلفتان:
الأولى نصّية. فنصّها «مصحَّح تصحيحًا كثيفًا» على يد «سلسلة من المصحّحين الأوائل»، وهذه التصحيحات نفسها — لا النصّ الأول وحده — هي ما يجعلها «ذات أهمية بالغة لتاريخ الكتاب المقدس». إنها ليست نصًّا جامدًا بل سجلّ لأيدٍ تعمل فيه.
والثانية ماديّة. فهي أقدم كتاب ضخم بقي من العصور القديمة، ومن ثمّ «ذات أهمية عظمى لتاريخ الكتاب» ككائن مادي، لا لمحتواه فقط.
تاريخها الذي لم يُحسم
تُؤرَّخ إلى القرن الرابع، «وأحيانًا إلى منتصفه على وجه أدقّ»، والأساس في ذلك علم الخطوط القديمة وحده — أي دراسة الخطّ. ولا يقترح المشروع مكانًا لإنتاجها، ولا يسمّي باحثين بعينهم ولا سنة محدّدة. ولا تُقارَن إلا بالمخطوطة الفاتيكانية، وهي المخطوطة الأخرى الوحيدة الكاملة تقريبًا للكتاب المقدس من زمن قريب من زمنها.
كيف تفرّقت
المخطوطة اليوم موزّعة على أربع مؤسسات:
| المؤسسة | الأوراق |
|---|---|
| المكتبة البريطانية | 347 ورقة (القسم الأكبر الباقي) |
| مكتبة جامعة لايبزغ | 43 ورقة |
| المكتبة الوطنية الروسية، سانت بطرسبرغ | أجزاء من 6 أوراق |
| دير سانت كاترين، سيناء | 18 ورقة على الأقل، كاملة أو مجزّأة |
والقصّة تدور حول ثلاث زيارات للعالم الألماني قسطنطين تيشندورف:
1844 — عُرضت عليه 129 ورقة من العهد القديم، وحصل على 43 منها. والمصدر الوحيد لذلك روايته هو، إذ «لم يُوجد أي سجلّ آخر». نشرها سنة 1846 ونسبها إلى «دير في المشرق» دون تسميته.
1853 — حصل على قصاصة يُقال إنها وُجدت «تُستخدم فاصلَ صفحات».
1859 — برعاية القيصر ألكسندر الثاني. رأى في 4 شباط الأوراق الـ347 وسمّاها «أنفس كنز كتابي في الوجود». وفي 16/28 أيلول وقّع إيصالًا باستعارتها، واعدًا بإعادتها سالمة عند الطلب. وقد أُقرّ صراحةً أن الملكية تبقى للدير ما لم تتحقّق هبة. ولم تُوقّع وثائق الهبة إلا سنة 1869 — وهو العقد نفسه الذي جرى فيه نزاع على الخلافة الأسقفية، ويقول المشروع إن التدخّل الدبلوماسي الروسي في المسألتين «فُسّر تفسيرات مختلفة».
1933 — علمت بريطانيا أن حكومة ستالين تريد بيع المخطوطة لتوفير عملة صعبة للخطة الخمسية الثانية. فدفع المتحف البريطاني 100 ألف جنيه، ووصلت لندن في 26 كانون الأول 1933. وفي 29 كانون الثاني 1934 أرسل رئيس أساقفة سيناء برقية يطالب فيها بأنه «المالك الشرعي الوحيد»، فأحاله المتحف إلى الحكومة السوفيتية.
1975 — وفي 26 أيار، أثناء تنظيف حجرة تحت كنيسة القديس جورج في الدير، وجد الأب سُفرونيوس مخزنًا من القصاصات فيه أوراق من المخطوطة. ومنه جاء أكثر ما في الدير اليوم.
أغرب ما في الأمر
النصّ الذي يروي هذا التاريخ ليس رواية طرف واحد. إنه خلاصة متّفق عليها بين المؤسسات الأربع الحائزة، صدرت عن اتفاقية شراكة في 9 آذار 2005. وفيه تقول المؤسسات صراحةً إن ما جرى «من 1844 إلى يومنا هذا ليس معروفًا معرفة تامة»، وتعرض النصّ إطارًا و«أساسًا للحوار».
أربعة أطراف لكلٍّ منها دعوى في الشيء نفسه، اتّفقت على رواية مشتركة تعترف بحدود ما تعرفه. وهذا في ذاته نموذج يستحقّ الانتباه في التعامل مع تاريخ متنازع عليه.
ولماذا هنا
لأن هذه المخطوطة ليست غريبة عن موضوع هذا الموقع. حُفظت في دير سانت كاترين، وهو دير روم أرثوذكسي عامل بلا انقطاع منذ القرن السادس، ومكتبته من أغنى مكتبات المخطوطات في العالم. واللغة التي كُتبت بها هي اليونانية، إحدى لغات الليتورجيا التي ما زالت حاضرة في المنطقة. وما بقي من المخطوطة في الدير إنما بقي لأن الحياة فيه لم تنقطع.